أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
548
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
فقدّم قوله « يغشّي » - وهو جملة - على « أسود » وما بعده وهن مفردات ، وعند هذا القائل أنه يبدأ بالمفرد ثم بالظرف أو عديله ثم بالجملة ، وعلى ذلك جاء قوله تعالى : وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمانَهُ « 1 » وهذه الآية حجة عليه ، وكذا قوله تعالى : « وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ » « 2 » قال الشيخ « 3 » : « وفيها دليل على بطلان من يعتقد وجوب تقديم الوصف بالاسم على الوصف بالفعل إلا في ضرورة » ثم ذكر الآية الأخرى . قلت : وليس في هاتين الآيتين الكريمتين ما يردّ قول هذا القائل . أما هذه الآية فيحتمل أن يكون قوله تعالى : « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » جملة اعتراض لأنّ فيها تأكيدا وتسديدا للكلام ، وجملة الاعتراض تقع بين الصفة وموصوفها كقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ - لَوْ تَعْلَمُونَ - عَظِيمٌ « 4 » ف « عَظِيمٌ » صفة ل « قسم » ، وقد فصل بينهما بقوله : « لَوْ تَعْلَمُونَ » فكذلك فصل هنا بين قوله « بِقَوْمٍ » وبين صفتهم وهي « أَذِلَّةٍ - أَعِزَّةٍ » بقوله « يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ » ، فعلى هذا لا يكون لها محلّ من الإعراب . وأمّا وَهذا كِتابٌ أَنْزَلْناهُ مُبارَكٌ فلا نسلّم أن « مُبارَكٌ » صفة ، بل يجوز أن يكون خبرا بعد خبر ، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذو « 4 » أي : هو مبارك ، ولو استدل على ذلك بآيتين غير هاتين لكان أقوى ، وهما قوله تعالى : ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ « 5 » ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنَ الرَّحْمنِ مُحْدَثٍ « 6 » فقدّم الوصف بالجارّ على الوصف بالصريح ، ويحتمل أن يقال : لا نسلّم أن « من ربهم » و « مِنَ الرَّحْمنِ » صفتان لجواز أن يكونا حالين مقدّمين من الضمير المستتر في « مُحْدَثٍ » أي : محدث إنزاله حال كونه من ربهم . وأذلّة جمع ذليل بمعنى متعطف ، ولا يراد به الذليل الذي هو ضعيف خاضع مهان ، ولا يجوز أن يكون جمع « ذلول » لأنّ ذلولا يجمع على « ذلل » لا على « أذلة » ، وإن كان كلام بعضهم يوهم ذلك . قال الزمخشري : « ومن زعم أنه من الذّل الذي هو نقيض الصعوبة فقد غبي عنه أن ذلولا لا يجمع على أذلة » . وأذلّة وأعزة جمعان لذليل وعزيز وهما مثالا مبالغة ، وعدّى « أَذِلَّةٍ » ب « على » وإن كان أصله أن يتعدى بالام لما ضمّن من معنى الحنوّ والعطف ، والمعنى : عاطفين على المؤمنين على وجه التذلّل لهم والتواضع ، ويجوز أن يكون المعنى : أنهم مع شرفهم وعلوّ طبقتهم وفضلهم على المؤمنين خافضون لهم أجنحتهم ، ونحوه قوله تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ذكر هذين الوجهين أبو القاسم الزمخشري . قال الشيخ « 7 » : « قيل : أو لأنه على حذف مضاف ، التقدير : على فضلهم على المؤمنين ، والمعنى : أنهم يذلّون ويخضعون لمن فضلوا عليه مع شرفهم وعلوّ مكانتهم » وذكر آية الفتح . قلت : وهذا هو قول الزمخشري بعينه ، إلا أنّ قوله « على حذف مضاف » يوهم حذفه وإقامة المضاف إليه مقامه ، وهنا حذف « على » الأولى وحذف المضاف إليه معا ، ولا أدري ما حمله على ذلك ؟ . ووقع الوصف في جانب المحبة بالجملة الفعلية لأنّ الفعل يدلّ على التجدّد والحدوث ، وهو مناسب فإنّ محبّتهم للّه تعالى تجدّد طاعاته وعبادته كلّ وقت ، ومحبة اللّه إياهم تجدّد ثوابه وإنعامه عليهم كل وقت . ووقع الوصف في جانب التواضع للمؤمنين والغلظة على الكافرين بالاسم الدالّ على المبالغة دلالة على ثبوت ذلك واستقراره وأنه عزيز فيهم ، والاسم يدلّ على الثبوت والاستقرار ، وقدّم الوصف بالمحبة منهم ولهم على وصفهم بأذلّة وأعزّة لأنهما
--> - معاهد التنصيص ( 1 / 9 ) ، البحر ( 5 / 518 ) ، القرطبي ( 10 / 154 ) ، روح المعاني ( 1 / 204 ) ، اللسان ( أث ) ، التهذيب ( 5 / 166 ) . ( 1 ) سورة غافر ، الآية ( 28 ) . ( 2 ) سورة الأنعام ، الآية ( 92 ) . ( 3 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 512 ) . ( 4 ) سورة الواقعة ، الآية ( 76 ) . ( 5 ) سورة الأنبياء ، الآية ( 2 ) . ( 6 ) سورة الشعراء ، الآية ( 5 ) . ( 7 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 512 ) .